المنهج اللقماني في التربية
كتبهارشيدة اختر ، في 24 يوليو 2008 الساعة: 16:24 م
“لا مناص لنا أخواتي المومنات، عن الالتزام بالمنهج الرباني و التمسك بالغيث الرحماني الذي ساقه إلينا المولى عز و جل عن طريق وصايا لقمان الحكيم، التزاما يفرضه العقل و المنطق، و تمسكا تمليه حاجتنا إلى منهج تربوي قويم يأتينا من ذي الذكر الحكيم، من الله ذي الطول العظيم”.
بهذه الكلمات المضيئة ختم مجلس العلم و الحلم و موكب النور الملائكي، يتوسطه وجه السكينة، و تحفه الأكف ترتفع متضرعة لله عز و جل : “اللهم ارزقنا الفهم عنك، و حسن الأدب معك”.
بهذه الإشارات اللطيفة ختم مجلس النصيحة ليفتح بصيرتنا على أعظم وصايا قد يضربها أب لابنه *وصايا سيدنا لقمان عليه السلام*، و ليشد قلوبنا إلى تلك اللحظة الحانية الودودة التي جلس فيها “أب” يعظ “ابنه” في كثير من الحب و التقدير و الاحترام. لحظة مثيرة جعل منها القرآن الكريم لحظة تاريخية فزادها إثارة و روعة و جمالا.
الوعظ أداة تربية
أكثر ما شد انتباهي و أنا أتلقف بلهف تلك المعاني الرقراقة و العبارات الرنانة التي راحت تنساب من تلك القلوب الصادقة، كيف ألقى الله عز و جل على لسان لقمان الحكيم ثلة من الحكم هي كالجواهر و الدرر… و رحت أتأمل للحظة في ذاك الوعاء الذي حظي بشرف إيواء كل هذه الحكم… تنبهت - و كأنه قد أخذتني سنة - على صوت إحداهن تقول: “و هذا و الله لكفيل ليأخذ بأيدينا حتى نسلك بأبنائنا و فلذات أكبادنا إلى بر الأمان”… أومأت برأسي متظاهرة بأني قد وعيت المعنى المقصود…
لكنها فكرة عنيدة كانت تصر علي في إلحاح، أحسست بها عميقة و هي تصول و تجول بفكري، و كدت أهتف بمن حولي: “عجيب و الله عجيب… لماذا لم نفكر فيها من قبل؟ على الرغم من بساطتها… أمسكه بلطف… أجلسه أمامك… ثم قل له ما شئت و أنت تعظه… سيحس أنه رجل… و بأنه مهم… و سيستمع لك أكيد”…
ثم صرت أتأمل : سبحان الله، لم يقل الله ـ و أستغفر الله ـ : و إذ قال لقمان لابنه و هو يربيه … بل قال عز من قائل في دقة و حكمة بالغتين : ” و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بني لا تشرك بالله…” إذ أن الوعظ يملك القدرة على مخاطبة العقل بقوة، في محاولة لبسط عرض مقنع و هادئ، فيعرض عليه كل فكرة فكرة، مقرونة بنتيجتها الطبيعية التي تدخل هي الأخرى في إطار الوصية.
هي إذن أداة قوية من أدوات التربية، و أسلوب متميز للغاية أن يمسك أحدنا ابنه و يقول له: ” أي بني! اعلم أنك مسلم توحد الله، فلا تقولن يوما إنما أنا مسلم لأن أبواي مسلمان، فإني و الله لن أغني عنك من الله شيئا إن لم تعلم حقيقة إسلامك و إيمانك. اعلم حفظك الله أنما أنت مسلم لأن الإسلام حق، فقل معي رعاك الله: “أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله…” و بقية الوصية تأتي.
إن فكرة الوصية ذاتها، أسلوب تربوي رائع، استوعبه عدد من الكتاب و المفكرين و المربين (أحمد أمين على سبيل المثال في رائعته الأدبية : “إلى ولدي”)، و اقتنعوا به حتى الصميم، فبادروا إلى كتابة وصايا لأبنائهم، و هم يقولون لهم بلسان حفي : “ها أنت يا بني قد أصبحت رجلا تخاطب كالرجال، و لأني لأثق في عقلك و ملكاتك و قدراتك، و أعلم أنك الآن قادر على استيعاب كل المفاهيم مهما كانت دقيقة… و إني لأعدك الآن بهذه الكلمات لحمل لواء الرجولة و مشعل المسؤولية بكل ثبات. فكن مسؤولا أولا عن عقيدتك و مبادئك، ثم عن حياتك و حياة من حولك”.
و لنثق أن كل هذه المفاهيم ستصل - بكل حمولاتها - إلى ذلك العقل الغض الذي يشق طريقه في تمرد نحو عالم مجهول مليء بالغموض، جديد… نعم، لكنه مثير… فيقول موحيا بأن رسالة أبيه قد وصلته : ” إي أبتاه، صدقت و الله،… إن كلماتك البسيطة مفاتيح عالم أجهل منه أكثر مما أعلم…إن همسات شفتيك تطرب أذني و تشدو مطمئنة: إن مع ضوضاء الشارع سمفونية الحب التي تملأ النفس أمانا و سكينة، و وسط ضحكات قرناء اللهو و اللعب، مساحة من الجد الممتع الذي يعطي للضحك معنى، و للهو مغزى… إنني أفهم همهماتك أبتي… نعم، إنني قادر على الفهم، فيا له من شرف عظيم أن تبث إلي بوصيتك… فلتقر عينك أبي الحبيب”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلذات أكبادنا | السمات:فلذات أكبادنا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























